نورالدين علي بن أحمد السمهودي

9

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

منبرا ، الحديث . وأخرج الطبراني بإسناد فيه متروك أن اسم صانع المنبر إبراهيم ، وفي أسماء الصحابة لابن شبة مرسلا : اسمه قبيصة أو قصيبة بتقديم الصاد ، المخزومي ، مولاهم ، وعند أبي داود بإسناد جيد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما بدّن قال تميم الداري : يا رسول الله ألا تتخذ لك منبرا يحمل - أو يجمع - عظامك ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين : أي غير المقعدة . قال الحافظ ابن حجر : وليس في الروايات التي سمي فيها النجار قوي السند إلا هذا ، وليس فيه تصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم ، بل قد تبين من رواية ابن سعد المتقدمة أن تميما لم يعمله ، وأشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون ؛ لكون الإسناد من طريق سهل ، ولا اعتداد بالأقوال الأخرى لكونها واهية . قلت : ولا ينافيه قوله في مقدمة الشرح « باقوم أشهر الأقوال » فقد يشتهر الواهي . وفي التحفة لابن عساكر : روينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : إن أتّخذ منبرا فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ، صلى الله عليهما وسلم . وأسند ابن النجار من حديث أنس : كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها ، فلما كثر الناس قال : ابنوا لي منبرا ، فبنوا له منبرا له عتبتان ، وهو يقتضي أن المنبر كان بناء ، ويحتمل أنه أطلق على تأليفه من الأخشاب اسم البناء ، لكن قال الحافظ ابن حجر : حكى بعض أهل السير أنه صلّى اللّه عليه وسلّم « كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب » ويعكر عليه ما تقدم في الأحاديث الصحيحة من أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب . قلت : يحتمل أن ذلك المنبر المتخذ من الطين كان إلى جانب الجذع ، وكأنه كان بناء مرتفعا فقط ، وليس له درج ومقعدة بحيث يكمل الارتفاق به ؛ فلا ينافي ما تقدم في سبب اتخاذ المنبر من خشب ، ويؤيد ذلك ما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة قالت : فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر ، الحديث ، وهذه القصة متقدمة على اتخاذ المنبر من الخشب ؛ فقد جزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان ، وجزم ابن سعد بأنه كان في السنة السابعة ، على أن ذكر تميم والعباس في عمله كما تقدم يقتضي تأخره عن ذلك أيضا ؛ فقد كان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان ، وقدوم تميم سنة تسع ، وفي بعض طرق الحديث : كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يجلس بين أصحابه ، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو ، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ، فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه ، الحديث . وفي بعض طرقه أنه جاء والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب أي : على ذلك الدكان ، والله أعلم .